عبد اللطيف البغدادي

51

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

الأخرى لم يتعد اثنتي عشرة صفحة . وقد فسر هذا الطول إذ قال : « أما ما يوجد بمصر من الآثار القديمة فشىء لم أر ولم أسمع بمثله في غيرها » . وإلى ذلك فقد أضاف أنه قصر الوصف على أعجب ما شاهده . إن اهتمامه بالآثار في وقت لم تكن هذه الآثار المجيدة في أعين الحكام سوى محاجر لا تصلح إلا للاستغلال ، وفي نظر السكان سوى مأوى للعفاريت والأوثان لدليل آخر على طرافة تفكيره وصوابه ، وعلى قرب فكره من الأفكار الحديثة . بدأ بالأهرام فقال إن الصغار منها هدمها في زمن صلاح الدين قراقوش الحصىّ الرومي الذي تولى العمائر في هذا الوقت ، وبنى من حجارتها سور مصر والقلعة والبئرين الموجودتين بهما وهما أيضا من العجائب ، وقال إن قناطر الجيزة بنيت من حجارة الأهرام الصغار وهذه القناطر أيضا من أعمال الجبارين . وأضاف أن من لا بصيرة عنده تولى أمر القناطر فسدها ، رجاء أن تروى المياه المحبوسة الجيزة ، فكانت نتيجة السد أن قوة المياه زلزلت ثلاث قناطر منها دون أن تروى ما رجا أن يروى ، ثم وصف الأهرام الكبار الثلاثة مطولا وأشار إلى تشبيه الشعراء للكبيرين منها بنهدين تصاعدا من صدر الديار المصرية ، وأعرب عن إعجابه بالأذهان التي أشرفت على بنائها والملكات الهندسية التي قامت بتصميمها لأنها أخرجتها مثلا يتحدث عن قومها وينطق عن علومهم ويترجم عن سيرهم « 1 » . ومن مشاهداته الدقيقة التي تعين في تحديد تواريخ عمليات الهدم التي أصابت هذه البنايات ، أن الهرم الثالث مبنىّ من حجر الصوان ، وأن المخروط ينقطع في أعلى الهرم الكبير عند سطح مربع مساحته عشرة أذرع في مثلها ، وأن الباب المؤدى إلى الغرف الداخلية ليس هو الباب الأصلي وإنما هو منقوب اتفاقا ، وأن المأمون هو الذي فتحه . وقد حاول البغدادي دخول الهرم فأغمى عليه من هول المطلع فرجع . ثم

--> ( 1 ) هذا الحكم يناقض ما سبق أن قاله عن أهل هذه البلاد .